تابع الفصل الرابع

من كتاب "العلاقات الإنسانية"

للكاتب: عبد الله خمّار

 

نموذج من بناء العلاقة الأسرية

 

الأب القاضي والجلاد (عبد الحميد بن هدوقة):

        علاقة الأب الريفي بابنته هي جزء من علاقات متعددة نسجها الكاتب الروائي عبد الحميد بن هدوقة، بين شخصيات روايته "بان الصبح" التي تدور أحداثها في الجزائر بين العاصمة والريف في السبعينات. وقد اخترنا هذه العلاقة لأنها من أهم العلاقات في الرواية.

الفكرة المستهدفة من بناء العلاقة:

        أراد الروائي عبد الحميد بن هدوقة أن ينتقد نظرة جزء من المجتمع الريفي إلى الفتاة، وخضوع الأب في علاقته مع ابنته للأعراف والتقاليد التي لاتنسجم مع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، والتي تحمل الفتاة وحدها وزر الخطيئة، دون الرجل، وتجعل من حملها سفاحا جريمة توجب قتلها، حتى وإن كان معتدى عليها، دون حساب أو عقاب للرجل، فالأب ينسى أبوته ورحمته ويصبح جلادا عليه أن يغسل العار، ويضحي بحياة ابنته مقابل سمعته. والروائي يريد أن يلفت النظر إلى التمييز في المعاملة مابين المرأة والرجل، حيث تعاقب المرأة ويسلم الرجل، وإلى أن الفتاة حتى لو تثقفت وأصبحت جامعية يمكن في أي لحظة ان تحرم من كل حقوقها بما في ذلك حق الحياة كاستمرار لوأد الفتيات في الجاهلية.

مخطط بناء العلاقة:

        لنفرض أن الكاتب وضعه كما ياتي:

1- الفكرة المستهدفة: من نسج هذه العلاقة هي إبراز الظلم الذي تتعرض له بعض الفتيات في الريف من أقرب الناس اليهن.

2- العلاقة المطلوب بناؤها إذن هي علاقة سلبية بسبب عقلية الأب المتحجرة، وتمسكه بالممارسات البالية.

3- تحديد طرفي العلاقة وأهم مقوماتهما:

        أ- الأب الريفي صالح مجاهد وجندي سابق في جيش التحرير.

        ب- الفتاة نعيمة يتيمة الأم، طالبة في كلية الآداب في العاصمة، طيبة مجدة.

 

4- بناء العلاقة:

       I- تحديد إيجابية العلاقة في البداية:

                رعاية الأب لابنته ومحبتها وثقته بها وإرسالها مع عمها لتدرس في جامعة الجزائر.

        II- تطور العلاقة وتأزمها:

                أ- طعن عمها وامرأة عمها في شرفها بناء على سوء فهم وليس سوء نية، واستدعاؤهما أباها.

                ب- حيرة أبيها بين إصرارهما على أنها حملت سفاحا وإصرارها على البراءة.

                جـ- تزعزع الثقة بينهما، ومعاملته لها بمنتهى القسوة، وتزعزع ثقتها بالقيم.

                د- عرضها على طبيب مختص.

        III- الحل: إثبات براءتها، وزهو أبيها على أخيه وزوجته، ومواجهتهم ببطلان اتهامهم.

مقومات الطرفين:

        بدأ الكاتب ببناء الشخصيتين، ونورد في هذه العجالة ملخصا لمقوماتهما:

        نعيمة فتاة فقدت أمها في حوالي الثالثة من العمر، وكفلتها عمتها التي توفيت بدورها عندما كان عمر نعيمة تسع سنوات. كان أبوها صالح جنديا في جيش التحرير يزور القرية سرا، والفرنسيون يبحثون عنه. تزوج أبوها وقرر البقاء في القرية، عمها الشيخ علاوة كان يسكن في المدينة مع زوجته كلثوم وأولاده عمر ورضا ومراد وبناته زبيدة ودليلة وهالة.

        وقرر أبوها وعمها بعد حصولها على البكالوريا أن تذهب إلى الجامعة لتدرس في كلية الآداب على ان تعيش في بيت عمها، وكانت نعيمة اجتماعية ومحبوبة لأنها تساعد الجميع.

 

 

العلاقة في بداية الرواية:

        وقد أبرز الكاتب لنا إيجابية العلاقة في بداية الرواية، فأبوها صالح اعتنى بابنته منذ وفاة أمها، واعتنى بتعليمها حتى وصلت إلى البكالوريا، وكان يريد إدخالها إلى المعهد التكنولوجي لتصبح معلمة، ولكن زيارة أخيه الشيخ علاوة له في القرية، واستعداده لاستضافتها، جعلاه يقرر إرسالها إلى المدينة للدراسة في الجامعة. وهذا يعني ثقة الأب بابنته وحبه لها واحترامها كإنسانة وإعانته لها على مواصلة دراستها. ومن دون شك كانت الفتاة تحترم أباها وتثق به، وتحبه.

تطور الأحداث وتأثيرها في العلاقة:

        ثم اهتم الكاتب بإبراز تطور هذه العلاقة وتغيرها:

        عاشت نعيمة في بيت عمها الشيخ علاوة، وكانت حياة الأسرة فيها كثير من السلبيات نتيجة لتفكك الروابط في المدينة، فعمر ابنه الأكبر بالرغم من زواجه يطارد النساء، ولم يتورع عن محاولة الاعتداء على ابنة عمه نعيمة، وابنه مراد الطبيب له علاقة بفتاة أجنبية يريد الزواج منها. وابنته دليلة الطالبة في كلية الحقوق أقامت علاقة مع شاب منحرف من إحدى الأسر الغنية بقصد الزواج، وحملت منه، ولكنه رفض الزواج منها. وأرسل لها رسالة يطلب منها إجهاض الجنين، وقد عنون الرسالة باسم ابنة عمها نعيمة حتى لاتلفت النظر، ولكن الشيخ علاوة الذي كان يفتح رسائل أولاده ويراقبها سرا، صدم بهذه الرسالة، وظن أن نعيمة تخدعهم وتظهر بمظهر الفتاة البريئة، وهي حامل لأنها مارست الزنا، وزاد الطين بلة أن ابن عمها الأكبر "عمر" حاول الإعتداء عليها، فصدته بعنف، ودخلت زوجته فجأة، فصفع نعيمة ووبخها وادعى أمام زوجته بأنها كانت تراوده عن نفسه، وهو الذي صدها، وأظهر الأب الرسالة لزوجته، فأصبحت نعيمة متهمة في نظر الجميع، فيما عدا دليلة التي تعرف الحقيقة، وزبيدة ورضا اللذين لم يصدقا ماقيل، وأرسل عمها علاوة إلى أبيها صالح يدعوه للحضور.

 

اتهام نعيمة أمام أبيها والطعن في شرفها:

        قضت نعيمة ليلة ليلاء مليئة بالكوابيس، رأت فيها أن أباها قرر قتلها واجتمع الناس في ساحة القرية، وقطع رأسها بسيف طويل، واستيقظت في الصباح عند وصول أبيها، ووجه إليها عمها وزوجته، لاتهام بعد إلحاح أبيها وسؤاله عما وقع.

        "اتجه الشيخ علاوة إلى المتكأ، ومسبحته في يده، يعد حباتها عدا سريعا، محاولا تغطية ماهو فيه من إنفعال.

        فكرر صالح: - ماذا وقع؟ ماذا عملت؟

        - ماذا عملت؟ عملت ما لاتقبله السماء ولا الأرض! إنك أخي والحديث بين أخوين لايتسع لكل شيء.

        فقالت نعيمة مكذبة: - إنهم يعتدون علي ثم يتهمونني بجرائمهم!

        تحير أبوها مما يسمع. ابنته يعرفها، لاتكذب، ولاتجرؤ على الحديث أمامه وأمام عمها بهذه الطريقة لو لم تصل إلى درجة قصوى من الحيف. وقال لها متسائلا بتعجب!

        - من اعتدى عليك؟ ومن اتهمك؟

        وإذا بالعجوز كلثوم تدخل مهاجمة بدون أن تحيي سلفها!

        - كنت أود ان أراك وصلت قبل الفجر، لكي لاتتلاقى عيناي بهذه الأفعى (مشيرة إلى نعيمة). فرد عليها سلفها بحدة:

        - عيناك لن تتلاقى بها بعد اليوم، لكن ماذا عملت لكم هذه "الأفعى" كما تقولين؟

        ومنذ متى صارت هذه اليتيمة البائسة أفعى؟"

بان الصبح ص 288

        وحاولت نعيمة الدفاع عن نفسها ولكن العجوز قالت للأب:

        " - إنها دنستنا ودنستك. اسألها هي ماذا عملت!"

ص 290

        ثم قالت له بعد أن حاول الدفاع عن ابنته:

        "- بنتك هي التي لاقيمة لها! إذا أردت أن تعرف ماذا فعلت، انتظر بضعة شهور... إنك أصبحت جدا في الحرام!"

ص 290

الشك القاتل وتأزم العلاقة:

        وبدأ الكاتب يهيئ أذهاننا لتغير طبيعة العلاقة بين الفتاة وأبيها الذي كانت الصدمة شديدة الوقع عليه:

        "أحس صالح الصالون يدور به دورانا. أظلم في عينيه كل شيء، ولكنه مع ذلك سيطر على أعصابه بكل ما فيه من قوة."

ص 291

        ولم يعد يطيق سماع صوت ابنته المدافعة عن نفسها:

        "- أبي لاتسمع إليها، إنها فقفدت عقلها!

        - اخرسي أنت وإلا قبضت روحك! لاحق لك الآن في الكلام!."

الصفحة نفسها

        وأعلن صراحة عن نيته في قتل ابنته إذا ثبتت التهمة:

        "وقال مخاطبا من جديد أخاه وزوجته:

        - إذا كان ما قلتموه صحيحا أعرف كيف أغسل العار، وإذا كان كذبا لن ينجيكم مني حتى الشيطان."

ص 292

تزعزع الثقة بينهما:

        لقد تبدل صالح فلم يعد أبا رؤوفا حنونا رحيما بابنته، فالأب يأسو الجراح ويسامح ويصفح عن الخطأ، ولكن صالح الآن لايسامح ولايصفح لأنه تحول من أب إلى عبد للتقاليد التي تشحنه بالعنف والعقوبة والقصاص، العقوبة التي لاتتناسب مع الخطيئة بل تفوقها آلاف المرات، العقوبة التي لايقرها دين سماوي أو قانون أرضي. العقوبة التي تستطيع أن تجعله يرفع رأسه أمام أخيه وزوجته، وأمام أهل القرية جميعا:

        "العنف إذن هو الذي يملأ نفس صالح منذ أن سمع من زوجة أخيه تصريحها الرهيب، هو وحده الطريق الواضح أمامه."

ص 314

        ليس هناك مايقوله لابنته، فالحوار بين الكائنات الإنسانية يجدي، أما بين الجلاد والمحكوم بالإعدام فلاجدوى منه:

        "عن ماذا تعبر الكلمة عندما تنسد منافذ الوجدان ويغلق القلب؟

        عن ماذا تعبر الكلمة عندما يستحوذ الغضب على كل المعاني.

        ماذا يقول لابنته وهو في حالته النفسية تلك، الكلمات فقدت معانيها في ذهنه فلم يبق للكلام معنى."

ص 314

فقدان ثقتها في كل شيء:

        وتغيرت نعيمة التي فقدت الثقة في كل شيء حتى في القيم والمبادئ والمثل، وهي ترى عمها وامرأة عمها يتهمانها زورا، وابن عمها يعتدي عليها ثم يدعي بأنها قد تحرشت به:

        "ليس لها ما تقول لأنها أدركت وهي تحيا هذه الأحداث المتتالية، أن المبادئ التي لقنتها إياها المدرسة وقرأتها بالكتب، هي مخدرات يصنعها الكبار للتغرير بالشباب ليس إلا!."

ص 315

        وليس لديها ماتقوله وهي تجد نفسها أداة بلاكيان، في يد أبيها، يتصرف فيها كيف يشاء:

        "هذا أبوها يسير بها في الطريق الذي يختاره هو في كل لحظة تمر... أخذ بين يديه مصيرها وحياتها. إنها ابنته. هو الذي أعطى لها الحياة. إذن من له الحق في محاسبته؟ له أن ينزع منها هذه الحياة التي أعطاها لها... إنه حر في تصرفه مادام العنف لايقبل معايشة المنطق."

ص 315

 

الأب السجان:

        لقد تحول صالح إلى سجان فأخذ ابنته إلى القرية ومنع زوجته وطفليه من الإقتراب منها، وحين حاولت سؤاله، أجابها:

        "ممنوع الآن كل حديث عنها حتى يتعين أمرها. عودي إلى شغلك مفهوم؟."

ص 316

        ولم تكن تستطيع ان تخالفه لأنها تعرف عناده وعنفه:

        "تقدم أمام نعيمة إلى حجرة متطرفة بالحوش ففهمت دليلة أنه يريد سجنها فيها. وكان الأمر كذلك فتح الباب وأمرها إشارة بالدخول فدخلت، فقال لها:

        - تبقين هنا إلى غد، وبعد أن نعود من "تيزي وزو" يتقرر مصيرك، لم تجبه بكلمة. اتخذت مكانا في إحدى زوايا الحجرة، وجلست على الأرض. خرج هو، ثم عاد بعد لحظات حاملا في يده قلة ماء وخبزة، فوضعهما على سدة صغيرة بالبيت، وأغلق الباب وهو خارج إغلاقا محكما."

الصفحة نفسها

مشاعرها نحوه:

        لقد فقدت ثقتها في كل شيء، ولكن مشاعرها نحو أبيها لم تتحول إلى بغض، بل إلى شفقة، شفقة السجين على السجان لأنه لايعرف ماذا يصنع، ولم يزل احترمها له رغم كل شيء:

        "كانت نعيمة تنظر إليه لابحقد وكراهية، ولكن بشفقة وبشيء من الاحترام وهي تراه في صمته ذاك وطريقة سلوكه."

الصفحة نفسها

        وتساءلت عما سيفعلاه في مدينة "تيزي وزو".

الأب القاضي:

        وأصبح قاضيا أيضا يقرر فيما سيحكم به في الغد، ويخبر زوجته بذلك:

        "- اسمعي إلي يا امرأة، إنه وقع أمر خطير، ولكنه بالنسبة إلي مازال غامضا، ولن يتضح إلا غدا. ولذلك أرجوك أن لاتسأليني ماذا أفعل، ولاماذا وقع حتى أعود غدا من تيزي وزو، وعندئذ فإما أن نقيم حفلا بمناسبة عودة بنتنا، وندعو جيراننا وعشيرتنا للعشاء، وإما أن نقيم مأتما. ننعي فيه إلى السكان موتها."

ص 317

الأب الجلاد وائد البنات:

        وأصبح جلادا أيضا.

        وغدا سينطق بحكمه، فإما البراءة وإما الوأد، فليبدأ بحفر القبر منذ الآن لأنه هو الذي سينفذ:

        "ذهب إلى المكان الذي يضع فيه آلات الحفر، فأخذ معولا ومسحاة، واتجه إلى مكان بنيت به حجرة لكنها مازالت في طورها الأول، لاباب، لاجبس، لاجص، وبدأ يحفر. سمعت زوجته وقع المعول فاقبلت عليه تستطلع الأمر، فوجدته بصدد حفر قبر."

        الصفحة نفسها

        وحاولت المرأة التدخل، ولكنه أخبرها ألا تتدخل، واحتارت حيرة عظيمة في أمرها، ووجدت نفسها عاجزة أمام إصراره وعنفه. وبعد ان وصلت العلاقة إلى ذروتها من التعقيد يأتينا الكاتب بالحل.

البراءة:

        وفي اليوم التالي ذهبا بالسيارة إلى "تيزي وزو"، وتوجها إلى عيادة طبيب صديق له منذ حرب التحرير فيطلب منه فحص ابنته:

        "وبعد أن ينتهي من كل فحوصه يقول لها:

        - تستطيعين أن تقومي. انتهى الفحص.

        يجلس إلى مكتبه. يطلب منها أن تنتظر لحظات بإحدى غرف الاستقبال، يكتب شهادة ثم ينادي أباها، فيسلم له الشهادة ويقول:

        - ابنتك أشد عذرة من العذراوات! اطمئن.

        - صحيح؟

        - هاهي الشهادة!

        تناولها بلهفة فقرأها وتمتم في نفسه مبتهجا: "أعرف أننا من عنصر طاهر". أعرف أن بنتي لن تخون أباها. أعرف."

ص 320

        وكانت الدنيا لاتسعه من الفرح وهو يقبل ابنته ويقول لها:

        "- اليوم أنت ولدت ولادة جديدة! لك الحق في كل شيء. الأب جعل لمثل هذه الأيام! وعندما نرجع إلى الدار نذبح كبشا، وندعو جيراننا وأحبابنا بالقرية، رجوعك إلى الدار لن يكون عاديا."

ص 321

        وأقام الأب حفلة كبيرة لابنته، وصور من شهادة العذرية نسخا عديدة حمل بعضا منها إلى العاصمة وألقاها في وجه أخيه وزوجته، ووبخهما على ادعائهما ضد ابنته.

تصوير المشاعر:

        وقد نجح الكاتب في تصوير مشاعر الفتاة البريئة المتهمة ظلما أثناء تلك الليلة التي قضتها سجينة، فهي حائرة وخائفة، ومندهشة لما حصل لها:

        "كادت الليلة لاتنقضي على نعيمة. إنها أحست أن عمرها كله لم يكن أطول من هذه الليلة! لم تعرف ماذا يعتزم أبوها فعله؟ هل يريد سجنها أياما ثم يستنطقها بعد ذلك؟ ولماذا؟."

ص 318

        وتتساءل أيضا:

        "ماذا كان يحفر بالنهار؟"

        ولاتجد تفسيرا لتصرف زوجة عمها، وتندهش لموقف عمها:

        "وتعود إليها مقاطع من حديث زوجة عمها: "إنها تنتظر ولدا..." فتقول في نفسها: "أنا أنتظر ولدا! ما أقسى المرأة على المرأة! وعمي، لماذا سكت؟ لماذا لم ينهها عن ذلك؟ هو أيضا شريك لها في هذا الاتهام، لاشك في ذلك."

ص 319

        كما نجح في تصوير فرحها وهي ترى لوحة طبيب أمراض النساء:

        "تنظر إلى باب العمارة، وتتلاقى عيناها بلوحة طبيب فتقرأ:

        "الدكتور... اختصاص في أمراض النساء". ينثلج صدرها. ترقص أحرف لوحة الطبيب سرورا لها. مدينة "تيزي وزو" تتخذ فجأة شكلا آخر رائعا في نظرها.

        تبدو الجبال المحيطة بها مخضرة زاهية جبال جرجراء تظهر شامخة، وقد نزعت عنها حلة الثلوج التي تلبسها شهورا من السنة. الشمس تبدو وكانها استعادت أشعة أخرى لتعبر لها عن فرحها."

الصفحة نفسها

        ووصف اختلاط المشاعر لديها عند إعلان براءتها:

        "انطلقت بهما السيارة من جديد عائدة إلى الدار، كانت نعيمة غير قادرة على الحديث، بالرغم من المحاولات المتعددة من طرف أبيها لجرها له. كانت الدهشة والسرور والحزن وعواطف أخرى كثيرة تعتمل في نفسها وكان عليها ان ترتب أفكارها وتعيد إلى نفسها تنظيمها المنطقي قبل كل شيء آخر."

ص 321

        وكان من بين هذه المشاعر شعور الخيبة لأن مستقبلها كله تغير، ولم يعد بيدها كما كانت تظن، وقد عرفت ذلك من أبيها:

        "في نهاية السنةسأسجلك بالمعهد التكنولوجي للتربية. في لحظة عرفت منه كل ما ينتظرها في أيامها المقبلة."

الصفحة نفسها

مشاعر الأب:

        كما وفق الكاتب في تصوير تناقض مشاعر الأب، فهو أب عطوف رحيم يدافع عن ابنته وعن اتهامها تارة:

        "تحير أبوها مما يسمع. ابنته يعرفها، لاتكذب ولاتجرؤ على الحديث أمامه وأمام عمها بهذه الطريقة لو لم تصل إلى درجة قصوى من الحيف. وقال لها متسائلا بتعجب:

        "- من اعتدى عليك؟ ومن اتهمك؟."

ص 288

        ويمنعها من الكلام تارة أخرى:

        "- اخرسي أنت وإلا قبضت روحك! لاحق لك الآن في الكلام!."

ص 291

        ويتوعد بقتلها إذا ثبتت التهمة:

        "- إذا كان ماقلتموه صحيحا أعرف كيف أغسل العار."

ص 292

        وهو أيضا قاض وسجان وجلاد، حكم بسجنها حتى يظهر جرمها أو براءتها، وساعتها ينفذ الحكم، وحين أعلن الطبيب براءتها، امتلأت عيناه بدموع الفرح، وعاد أبا رحيما كما كان:

        "صافح الطبيب بحرارة، وخرج إلى غرفة الاستقبال حيث كانت نعيمة وحدها، فقبلها على جبينها، وقال لها وقد ترغرغت عيناه بالدمع:

        - لم تعرف عينا أبيك الدمع قبل اليوم أبدا. الناس أشرار يا ابنتي وأنت شريفة كما كانت أمك شريفة!."

ص 320

        لقد كان الأب كالفتاة ضحية لممارسات بعيدة كل البعد عن الشرع السماوي، وعن القوانين الأرضية، يرى أن الواجب فوق المشاعر والواجب عنده قتل الخاطئة لإرضاء زهوه وغروره ورجولته أمام أقرانه في القرية، والكاتب هنا لايدعو إلى الخطيئة. بل إلى العدل في المعاملة بين المرأة والرجل. والحق في المحاكمة العادلة لمن أخطأ ليحاسب وفق القانون، فلاحق لأحد بإزهاق روح نفخ الله فيها الحياة إلا وفق ماتنص عليه الشرائع والقوانين.

الأسئلة:

1- مارأيك في سلوك العم علاوة الذي يفتح رسائل أولاده؟

2- ما الذي كان على العم علاوة أن يفعله عندما ظن أن ابنة أخيه حامل؟

3-  ما رأيك في سلوك الأب تجاه ابنته؟ وضح رأيك وعلله.

4- هل بعض هذه العقليات والممارسات موجودة في محيطك؟ استشهد بأمثلة من الواقع.

5- كيف يمكن مقاومة هذه الممارسات، وبأي الوسائل؟

6- ما العواطف التي يريد أن ينقلها إلينا الكاتب من خلال هذه العلاقة؟ إعجاب، استنكار، سخط، غضب، أسى، إشفاق... حدد ووضح.


لقراءة الفصل التالي انقر هنا: الفصل الخامس : العلاقات العاطفية- 1- الصداقة

لقراءة الفصل السابق انقر هنا: الفصل الرابع: الروابط الأسرية

 للاطلاع على فصول الكتاب، انقر هنا: العلاقات الإنسانية

للاطلاع على الكتب الأخرى، انقر هنا:  كتب أدبية وتربوية